يبدأ تاريخ تأسيس كنيسة أورشليم من يوم العنصرة وحلول الروح القدس على التلاميذ الأطهار في أورشليم، حيث قام الرسل القديسون بنشر الإنجيل في كل المسكونة، وذلك عملاً بوصيّة الناهض من القبر ربنا وإلهنا يسوع المسيح. أول رئيس أساقفة على أورشليم كان الشهيد والرسول يعقوب أخو الرب سنة ٦٢م .
بعد الإضطهادات الأولى للمسيحيين من قبل معلمي الناموس اليهود ودمار أورشليم على يد القائد الروماني تيطس سنة ٧٠م، كان مقر كنيسة أورشليم مدينة بيلا، وهي واقعة شرقي ضفة نهر الأردن، وكانت تضم عدداً كبيراً من اليونانيين خلفاء الإسكندر الكبير، ولأن عدد اليهود المسيحيين قد تقلص، أخذت هذه الكنيسة تأخذ الطابع اليوناني، وهكذا انتشرت في جميع أنحاء فلسطين حيث سكن قسم كبير من تابعيها في مدينة أورشليم.
أخذ آخر أعضاء الكنيسة اليونانية في بيلا بالرجوع إلى أورشليم والسكن فيها بعد ثورة باركوخاب سنة ١٣٥م، حيث أُنشأت في الجهة الشمالية من المدينة جالية رومانية وسميت (إيلياكابيتولينا)، وكان قد حُظر على اليهود دخول أورشليم بالكليّة . أما المزارات الشريفة فكانت مطمورةً تحت الأرض وبني فوقها معابد وثنيّة .
في ذلك الوقت كانت مدينة قيصرية مركزاً لرئاسة وتنظيم الكنيسة في الأراضي المقدسة، أما أورشليم (إيليا) فقد كانت قرية صغيرة وأسقفها كان تابعاً لمتروبوليتيّة قيصرية. حيث كان مسيحيو الأراضي المقدسة يواجهون اضطهاداً عنيفاً من قبل أباطرة الرومان مثل أدريانوس وديكيوس وذيوكليتيانوس ومكسيمينوس الذين قتلوا عدداً كبيراً منهم.
الدور الثاني : زمن الازدهار
عرفت أورشليم الازدهار في عهد الملك القديس ومعادل الرسل قسطنطين الكبير سنة ٣٢٤م وحتى بداية القرن السابع حيث ساعدته أمّه القديسة الملكة هيلانة، فوجدت الصليب المقدس، ومحلّ القبر ألخلاصي، وبنت وزيّنت جميع المزارات الشريفة الأخرى الخاصة بحياة ربنا يسوع المسيح وكلمة الله على هذه الأرض، وشيدت نحو خمسة وعشرين كنيسة، وهكذا لم تمض مدّة وجيزة حتى أقامت كنيسة القيامة العظمى فوق القبر المقدس وأخرى في محل الصليب (الجلجلة)، ومحل وجود الصليب المقدس، وفوق مغارة الميلاد القابلة للإله، وعلى محلّ صعود الرب إلى السماء، وعدا عن هذه الكنائس، كنائس أخرى كثيرة في الأراضي المقدسة سنة ٣٢٦ - ٣٣٥م . ونرى أساقفة كثيرين من أورشليم وقفوا وحاربوا البدع والهرطقات، ونذكر منهم القديس كيرللس (الكارز) ومحاربته للآريوسيّة . أما الحياة الروحية فكانت في حالة تقدم وازدهار مستمر، ففي أوائل القرن الرابع أخذت الرهبنة شكلاً منظّماً نتيجة الأديرة والصوامع المنظمة التي أسسها القديسان إيلاريون وخاريطون، وكانت هذه الأديرة أديرة عبادةٍ وممارسة للعيشة التقشفية ولحياة التقوى . وفي سنة ٤٠٧م كانت سنة سقوط الوثنية بشكل كامل في فلسطين وذلك عندما قام القديس بورفيريوس الذي من تسالونيكي (٤٢٠م) أسقف غزّة مع المسيحيين الذين كانوا هناك بهدم معبد (مارنا) الوثني .
وتدريجياً، كانت أسقفية أورشليم التي ضمت المزارات المسيحية المهمة تتقدم، ففي بداية القرن الخامس الميلادي أصبحت ميتروبوليتيّة لمقاطعات فلسطين الثلاث . وكان ترتيبها ألعبادي وتيبيكونها في حالة تطور دائم بلغة عباديّة وهي اليونانية . وفي النهاية تقرر في المجمع المسكوني الرابع الذي عقد في مدينة خلقدونية سنة ٤٥١م أن يُرفَّع مقام كنيسة أورشليم الى بطريركيّة، وأن تكون واحدةً من المراكز الكنسيّة الخمس الكبيرة التي كانت ذلك الوقت، وذلك بسبب مكانتها الخاصة في ضمير الشعب المسيحي وعبادتها المميزة ولاهوتها وحياتها الرهبانيّة وجهاداتها من أجل الأرثوذكسية ومزاراتها الشريفة وتاريخها الكنسي القديم .
لقد قدمت الرهبنة التابعة للكنيسة الأورشليمية في القرنين الخامس والسادس بعضاً من الأشخاص الذين يعتبرون من النسّاك الكبار والمستنيرين مثل القديس إفثيميوس الكبير، وجراسيموس الأردني، وسابا المتقدس، وكيرياكوس الناسك، وثيوذوسيوس الكينوفيارخي مؤسس الرهبنة وحياة الشركة في الأديرة وكثيرون آخرون ممن حوّلوا صحراء اليهوديّة وفلسطين إلى مدن للتعليم الملائكي . ونرى أن طغمة (السبوديي) وهم رهبانٌ كانوا يهتمون بإقامة الصلوات والاحتفالات التي كانت تقام في كنيسة القيامة، وهم طغمة مشابهة لأخويّة القبر المقدس التي تشكلت لاحقاً، وأما هذه الطغمة تأسست من قبل الأسقف ألكسندروس في القرن الثالث . وبعد إعادة بناء كنيسة القيامة في أواخر القرن الخامس الميلادي من قبل البطريرك إيليا الأول وسكنت بشكل نهائي في جوار القبر المقدس . لقد كان اهتمام بطاركة أورشليم والقادة النسّاك يصبُّ على العمل الرعائي والصلاة، ولكنهم دافعوا بقوّة وجاهدوا بشدّة في محاربة الهرطقات مثل المونوفيزيتيّة (الطبيعة الواحدة) وأتباع أوريجانوس . وأصبحت أورشليم بعد ذلك مركزاً للعبادة المسيحية والتعليم المسيحي، حيث كانت إحسانات الإمبراطور يوستنيانوس مكمّلة للعمل والنشاط الذي قامت به الملكة إفذوكيّة الأثينائيّة المُحسنة إلى الأراضي المقدسة (في نصف القرن الخامس الميلادي)، وكان هذا التقدم مستمراً لسنين طويلة . وقبل أن تقع أورشليم في قبضة ملك الفرس (خسرو) في ١٩مايو سنة ٦١٤م، كانت الكنيسة قبل ذلك في حالة إزدهار كبير وضمت أربعة ميتروبوليتيات كنسيّة كبيرة وهي قيصريّة، سيكثوبوليس، البتراء، وبسطرا (بصرى)، وعدداً كبيراً من الأديرة يصل عددها نحو ٣٦٥ ديراً .
إن الدّمار الذي نتج عن غزو الفرس كان له أثراً عظيماً في تاريخ كنيسة صهيون، حيث ذُبح في أورشليم أكثر من خمسة وستون ألف مسيحي، وهدمت الأديرة والمزارات الشريفة بكاملها . أما البطريرك زخريا مع رؤساء المدينة سيقوا أسرى إلى بلاد فارس مع الغنائم الكثيرة والآثار المقدسة ومنها خشبة الصليب المقدس . أما قائم مقام العرش ألبطريركي ولاحقاً بطريرك أورشليم القديس موذستوس اهتم بإعادة ترميم المزارات كما كانت في القديم . لقد قام الإمبراطور هرقل، وبعد حروب ضارية مع الفرس، بالانتصار عليهم سنة ٦٢٧م، وفي سنة ٦٣٠ ميلادية قام باسترجاع خشبة الصليب المقدس ودخل أورشليم ظافراً وملتفّاً بحفاوة كبيرة وأخذت آيات النصر تلوح على الوجوه مع البطريرك زخريا وجميع الأسرى الآخرين الذين حررهم . ولكن بعد سنين قليلة لمّا رأى هرقل أنه لا يمكنه وقف زحف الجيوش العربية، ففي سنة ٦٣٨م انفصلت أورشليم بشكل تام عن الإمبراطورية الروميّة المسيحيّة ووقعت أسيرة في أيدي العرب . |